أبو حاتم
07-14-2006, 03:22 PM
-
السَّلامُ عَلَيْكُم وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهْ
الموقف والحشر: اليوم الثقيل الطويل العبوس القمطرير!!
وما بعد القبر أعظم منه إنه البعث والنشور إنه اليوم الثقيل الطويل العبوس القمطرير!! إنه يوم واحد ولكنه خمسون ألف سنة من أيام الدنيا طولاً... يومٌ لا تغرب شمسه إلا بعد مضي خمسين ألف سنة، يوم يقوم الناس فيه لرب العالمين في رشحهم وعرقهم إلى أنصاف آذانهم. فمنهم من يأخذه عرقهُ إلى كعبيه، ومنهم من يأخذ عرقه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه عرقُه إلى ثدييه ومنهم من يلجمه عرقه، ومنهم من يغط في عرقه غطيطاً.
وقد حذر الله جميع عباده منه فقال تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم* يوم ترونـها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد} (الحج:1-2)
وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقوم بالليل استعداداً وحذراً لهذا اليوم. قال تعالى: {ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلاً إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً} (الإنسان:26-27)
وقال تعالى: {فكيف تتقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدان شيباً* السماء منفطر به} (المزمل:17-18)
وقال تعالى: {سأل سائل بعذاب واقع* للكافرين ليس له دافـع من الله ذي المعارج* تعرج الملائكـة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة* فاصبر صبراً جميلاً} (المعارج:1-4)
وقال تعالى بعد ذكره لمصارع الغابرين: {إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود} (هود: 103)
وقال تعالى: {أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه* قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب} (الزمر:9)
وقـد وصف النبي صلى الله عليه وسلم من أحوال هذا اليوم وطوله، وتهاويله وآلامه، ومشاهده ما يخلع القلب، ويدمع العين، ويحمل على التفكير فيه وحده، والانصراف عن كل شيء دونه!!
فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: [تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقـدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حِقْوَيه، ومنهم من يلجمه العـرق إلجاماً] قال: وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى فيه. (رواه مسلم)
ففي هذا اليوم العصيب يرى كل حميم حميمه فيفر منه، ويشتغل بنفسه عنه، قال تعالى: {ولا يسأل حميم حميماً}، وقال تعالى: {يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه} (عبس:34-37)
في هذا اليوم يكون الكافر في عذاب هائل من الخوف والقلق، واليأس من رحمة الله، وانتظار العذاب المحقق في النار، ويصبح وجهه كالليل سواداً وظلمه مما هو فيه من الكرب العظيم. قال تعالى: {كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلماً} (يونس:27)
وقال تعالى: {يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشراً نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوماً} (طه:102-104)
وأما أهل الإيمـان فهم في أرض المحشر درجات في حصول الشدة والكرب، والهم والغم وكل واحد منهم فيما هو فيه حسب إيمانه، وعمله الصالح، وحسب ما ارتكب كل من السيئات.
43- مانع الزكاة يعذب خمسين ألف سنة:
ومن أهل الإيمان ممن له معاصي لم يشأ الله أن يغفرها له يعذب في أرض المحشر على هذه المعاصي (خمسين ألف سنة) حتى يقضي بين الخلائق -عياذاً بالله من سخطه وعقابه- فمن ذلك:
مانع الزكاة: ففي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ما من صاحب كنز لا يؤدي حقه، إلا جعل صفائح يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جبهته وجنبه وظهره، حتى يحكم الله عز وجل بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون]. (رواه الإمام أحمد)
وفي صحيح الإمام مسلم قال صلى الله عليه وسلـم: [ما من صاحب ذهب ولا فضة، لا يؤدي منها حقها إلا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه، وجبينه، وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله وإما إلى الجنة وإما إلى النار]
قيل: يا رسول الله فالبقر والغنم؟ قال: [ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة، بطح لها بقاع قرقر، لا يفقد منها شيئاً، ليس فيـها عقصاء، ولا جلجاء، ولا عضباء، تنطحه بقرونها، وتطؤه بأظلافها، كلما مـر عليه أولاها رد عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله وإما إلى الجنة وإما إلى النار]...
وقيل: يا رسـول الله فالخيل؟ قال: [الخيل ثلاثة: هي لرجل وزر، وهي لرجل ستر، وهي لرجل أجر. فأما التي هي له وزر: فرجل ربطها رياء وفخراً ونواء على أهل الإسلام، فهي له وزر. وأما التي هي له ستر، فرجل ربطها في سبيل الله ثم لم ينس حق الله في ظهورها، ولا رقابـها، فهي له ستر. وأما التي هي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام في مرج أو روضة، فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شيء إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات، وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات، ولا تقطع طولها فاسْتَنَّت شرفاً أو شرفين إلا كتب الله له عدد آثارها، وأرواثها حسنات، ولا مر بها صاحبها على نهـر، فشربت منه، ولا يريد أن يسقيها إلا كتب الله له عدد ما شربت حسنات].
قيل: يا رسول الله فالحمر؟ قال: [ما أنزل علي في الحمر شيء إلا هذه الآية الفاذة الجامعة: {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره* ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره}] (رواه مسلم)
وتصديق هـذا الحديث في كتاب الله تعالى قوله جل وعلا: {يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم* يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون} (التوبة34-35)
44- مؤمنون في ظل الله يوم القيامة:
ومن أهل الإيمان من يكونون في ظل الله قد خصـهم الله بهذه الكرام لاختصاصهم بأعمال عظيمة. قال تعالى: {إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً* عيناً يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيراً* يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شـره مستطيراً* ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً* إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً* إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً* فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسروراً} (الإنسان:5-11)
وقال صلى الله عليه وسلم: [سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله عز وجل، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه، وتفرقا عليه. ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه] (متفق عليه)
45- المرور على الصراط هو الكرب الأعظم لأهل الإيمان!! السابقون يجوزون، والعصاة يسقطون:
والمرحلة قبل الأخيرة من هذا اليوم (يوم القيامة) هي أعسر مراحله، وأصعب أوقاته، إنه العبـور فوق جهنم من أرض المحشر إلى قنطرة أخرى قبل الجنة... إنه عبور فوق النار كلها. وما أعرض هذه النار؟! وما أعظم اتساعها ولو قربنا المعنى لقلنا: إنه عبور فوق الشمس!! بل الشمس كوكب صغير في النار!!
فهل فكـرت يا عبدالله في أنه يتوجب عليك أن تعبر فوق ما يشبه الشمس حراً وناراً، واتساعاً، بل الشمس الذي ينفجر بركانها، وتصل حرارة سطحها إلى مليوني درجة جزء صغير من نار الآخرة.
فإذا تصورنا النار كما صورها الله لنا في القرآن، وكما أخبر عنها رسوله صلى الله عليه وسلم في أحاديثه الكثيرة، وعلمنا أنها بئر عميقة قـد بعد قرارها بعداً لا تستوعبه عقولنا إلا أن نقيس ذلك بالبعد بين الكواكب في هـذا الكون الفسيح، وأنها في التهاب الشمس بل أعظم، وإنها واسعة بحيث تكون الشمس هذه ذاتها، والقمر هذا ذاته الذي نراه حجرين صغيرين في صحراء واسعة. قال صلى الله عليه وسلم: [الشمس والقمر مكوران في النار يوم القيامة]. (رواه البخاري)
وإذا كان أهل الإيمان يكربون في الموقف العظيم والمشهد الهائل والقيام لرب العالمين، وكرب كل واحد منهم على قدر ذنوبه ومعاصيه، ومن أهل الإيمان من يفتن في قبره، ويعذب حتى ينفخ الصور. ومنهم من يعذب بالنار في محشره في هذا اليوم الطويل العصيب حتى يقضي الله بين الخـلائق... فإن ثمة ما هو أعظم لهم جميعاً وأكبر فتنة وهولاً، وهو المرور على الصراط والجواز منه إلى الجنة... فإما عبور وسلامة، وإما معاناة طويلة طويلة!! وإما هوى في نار جهنم إلى غاية لا يعلمها إلا الله وحده حتى تدركهم الشفاعة ورحمة الله في نهاية المطاف...
قال صلى الله عليه وسلم: [ويضرب الصراط بين ظهري جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيز، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم!!
وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم السعدان؟] قالوا: نعم يا رسول الله. قال: [فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم المؤمن بقي بعمله، ومنهم المجازي حتى يُنَجَّى]. (رواه مسلم)
وقـال صلى الله عليه وسلم: [ثم يضرب بالجسر على جهنم وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلم سلم] قيل: يا رسـول الله! وما الجسر؟ قال: [دَحْضٌ مزلة فيه خطاطيف وكلاليب وحسك، تكون بنجد فيها شويكة يقال لها: السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب فناجٍ مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم.
حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده! ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله، في استقصاء الحق، من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار. يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون!! فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم!! فَتُحَرم صورهم على النـار. فيخرجون خلقاً كثيراً قد أخذت النار إلى نصف ساقيه، وإلى ركبتيه ثم يقولون: ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به. فيقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربنـا لم نذر فيها أحداً ممن أمرتنا، ثم يقول: ارجعوا. فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً. ثم يقولون: ربنا ! لم نذر فيها خيراً].
وكان أبو سعيد الخدري يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث فأقرأوا إن شئتم {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها، ويؤت من لدنه أجراً عظيما}.
[فيقول الله عـز وجل: شفعت الملائكة وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط، قد عادوا حمماً، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل. ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر، ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر، وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض؟] فقالوا: يا رسول الله ! كأنك كنت ترعى بالبادية!!
قال: [فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم، يعرفهم أهل الجنة. هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه.
ثم يقول: ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم، فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحداً من العالمين فيقول: لكم عندي أفضل من هذا، فيقولون: يا ربنا أي شيء أفضل من هذا؟ فيقول: رضاي، فلا أسخط عليكم بعده أبداً]. (رواه مسلم)
السَّلامُ عَلَيْكُم وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهْ
الموقف والحشر: اليوم الثقيل الطويل العبوس القمطرير!!
وما بعد القبر أعظم منه إنه البعث والنشور إنه اليوم الثقيل الطويل العبوس القمطرير!! إنه يوم واحد ولكنه خمسون ألف سنة من أيام الدنيا طولاً... يومٌ لا تغرب شمسه إلا بعد مضي خمسين ألف سنة، يوم يقوم الناس فيه لرب العالمين في رشحهم وعرقهم إلى أنصاف آذانهم. فمنهم من يأخذه عرقهُ إلى كعبيه، ومنهم من يأخذ عرقه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه عرقُه إلى ثدييه ومنهم من يلجمه عرقه، ومنهم من يغط في عرقه غطيطاً.
وقد حذر الله جميع عباده منه فقال تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم* يوم ترونـها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد} (الحج:1-2)
وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقوم بالليل استعداداً وحذراً لهذا اليوم. قال تعالى: {ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلاً إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً} (الإنسان:26-27)
وقال تعالى: {فكيف تتقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدان شيباً* السماء منفطر به} (المزمل:17-18)
وقال تعالى: {سأل سائل بعذاب واقع* للكافرين ليس له دافـع من الله ذي المعارج* تعرج الملائكـة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة* فاصبر صبراً جميلاً} (المعارج:1-4)
وقال تعالى بعد ذكره لمصارع الغابرين: {إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود} (هود: 103)
وقال تعالى: {أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه* قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب} (الزمر:9)
وقـد وصف النبي صلى الله عليه وسلم من أحوال هذا اليوم وطوله، وتهاويله وآلامه، ومشاهده ما يخلع القلب، ويدمع العين، ويحمل على التفكير فيه وحده، والانصراف عن كل شيء دونه!!
فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: [تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقـدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حِقْوَيه، ومنهم من يلجمه العـرق إلجاماً] قال: وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى فيه. (رواه مسلم)
ففي هذا اليوم العصيب يرى كل حميم حميمه فيفر منه، ويشتغل بنفسه عنه، قال تعالى: {ولا يسأل حميم حميماً}، وقال تعالى: {يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه} (عبس:34-37)
في هذا اليوم يكون الكافر في عذاب هائل من الخوف والقلق، واليأس من رحمة الله، وانتظار العذاب المحقق في النار، ويصبح وجهه كالليل سواداً وظلمه مما هو فيه من الكرب العظيم. قال تعالى: {كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلماً} (يونس:27)
وقال تعالى: {يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشراً نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوماً} (طه:102-104)
وأما أهل الإيمـان فهم في أرض المحشر درجات في حصول الشدة والكرب، والهم والغم وكل واحد منهم فيما هو فيه حسب إيمانه، وعمله الصالح، وحسب ما ارتكب كل من السيئات.
43- مانع الزكاة يعذب خمسين ألف سنة:
ومن أهل الإيمان ممن له معاصي لم يشأ الله أن يغفرها له يعذب في أرض المحشر على هذه المعاصي (خمسين ألف سنة) حتى يقضي بين الخلائق -عياذاً بالله من سخطه وعقابه- فمن ذلك:
مانع الزكاة: ففي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ما من صاحب كنز لا يؤدي حقه، إلا جعل صفائح يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جبهته وجنبه وظهره، حتى يحكم الله عز وجل بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون]. (رواه الإمام أحمد)
وفي صحيح الإمام مسلم قال صلى الله عليه وسلـم: [ما من صاحب ذهب ولا فضة، لا يؤدي منها حقها إلا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه، وجبينه، وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله وإما إلى الجنة وإما إلى النار]
قيل: يا رسول الله فالبقر والغنم؟ قال: [ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة، بطح لها بقاع قرقر، لا يفقد منها شيئاً، ليس فيـها عقصاء، ولا جلجاء، ولا عضباء، تنطحه بقرونها، وتطؤه بأظلافها، كلما مـر عليه أولاها رد عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله وإما إلى الجنة وإما إلى النار]...
وقيل: يا رسـول الله فالخيل؟ قال: [الخيل ثلاثة: هي لرجل وزر، وهي لرجل ستر، وهي لرجل أجر. فأما التي هي له وزر: فرجل ربطها رياء وفخراً ونواء على أهل الإسلام، فهي له وزر. وأما التي هي له ستر، فرجل ربطها في سبيل الله ثم لم ينس حق الله في ظهورها، ولا رقابـها، فهي له ستر. وأما التي هي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام في مرج أو روضة، فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شيء إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات، وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات، ولا تقطع طولها فاسْتَنَّت شرفاً أو شرفين إلا كتب الله له عدد آثارها، وأرواثها حسنات، ولا مر بها صاحبها على نهـر، فشربت منه، ولا يريد أن يسقيها إلا كتب الله له عدد ما شربت حسنات].
قيل: يا رسول الله فالحمر؟ قال: [ما أنزل علي في الحمر شيء إلا هذه الآية الفاذة الجامعة: {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره* ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره}] (رواه مسلم)
وتصديق هـذا الحديث في كتاب الله تعالى قوله جل وعلا: {يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم* يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون} (التوبة34-35)
44- مؤمنون في ظل الله يوم القيامة:
ومن أهل الإيمان من يكونون في ظل الله قد خصـهم الله بهذه الكرام لاختصاصهم بأعمال عظيمة. قال تعالى: {إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً* عيناً يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيراً* يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شـره مستطيراً* ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً* إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً* إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً* فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسروراً} (الإنسان:5-11)
وقال صلى الله عليه وسلم: [سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله عز وجل، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه، وتفرقا عليه. ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه] (متفق عليه)
45- المرور على الصراط هو الكرب الأعظم لأهل الإيمان!! السابقون يجوزون، والعصاة يسقطون:
والمرحلة قبل الأخيرة من هذا اليوم (يوم القيامة) هي أعسر مراحله، وأصعب أوقاته، إنه العبـور فوق جهنم من أرض المحشر إلى قنطرة أخرى قبل الجنة... إنه عبور فوق النار كلها. وما أعرض هذه النار؟! وما أعظم اتساعها ولو قربنا المعنى لقلنا: إنه عبور فوق الشمس!! بل الشمس كوكب صغير في النار!!
فهل فكـرت يا عبدالله في أنه يتوجب عليك أن تعبر فوق ما يشبه الشمس حراً وناراً، واتساعاً، بل الشمس الذي ينفجر بركانها، وتصل حرارة سطحها إلى مليوني درجة جزء صغير من نار الآخرة.
فإذا تصورنا النار كما صورها الله لنا في القرآن، وكما أخبر عنها رسوله صلى الله عليه وسلم في أحاديثه الكثيرة، وعلمنا أنها بئر عميقة قـد بعد قرارها بعداً لا تستوعبه عقولنا إلا أن نقيس ذلك بالبعد بين الكواكب في هـذا الكون الفسيح، وأنها في التهاب الشمس بل أعظم، وإنها واسعة بحيث تكون الشمس هذه ذاتها، والقمر هذا ذاته الذي نراه حجرين صغيرين في صحراء واسعة. قال صلى الله عليه وسلم: [الشمس والقمر مكوران في النار يوم القيامة]. (رواه البخاري)
وإذا كان أهل الإيمان يكربون في الموقف العظيم والمشهد الهائل والقيام لرب العالمين، وكرب كل واحد منهم على قدر ذنوبه ومعاصيه، ومن أهل الإيمان من يفتن في قبره، ويعذب حتى ينفخ الصور. ومنهم من يعذب بالنار في محشره في هذا اليوم الطويل العصيب حتى يقضي الله بين الخـلائق... فإن ثمة ما هو أعظم لهم جميعاً وأكبر فتنة وهولاً، وهو المرور على الصراط والجواز منه إلى الجنة... فإما عبور وسلامة، وإما معاناة طويلة طويلة!! وإما هوى في نار جهنم إلى غاية لا يعلمها إلا الله وحده حتى تدركهم الشفاعة ورحمة الله في نهاية المطاف...
قال صلى الله عليه وسلم: [ويضرب الصراط بين ظهري جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيز، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم!!
وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم السعدان؟] قالوا: نعم يا رسول الله. قال: [فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم المؤمن بقي بعمله، ومنهم المجازي حتى يُنَجَّى]. (رواه مسلم)
وقـال صلى الله عليه وسلم: [ثم يضرب بالجسر على جهنم وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلم سلم] قيل: يا رسـول الله! وما الجسر؟ قال: [دَحْضٌ مزلة فيه خطاطيف وكلاليب وحسك، تكون بنجد فيها شويكة يقال لها: السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب فناجٍ مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم.
حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده! ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله، في استقصاء الحق، من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار. يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون!! فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم!! فَتُحَرم صورهم على النـار. فيخرجون خلقاً كثيراً قد أخذت النار إلى نصف ساقيه، وإلى ركبتيه ثم يقولون: ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به. فيقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربنـا لم نذر فيها أحداً ممن أمرتنا، ثم يقول: ارجعوا. فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً. ثم يقولون: ربنا ! لم نذر فيها خيراً].
وكان أبو سعيد الخدري يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث فأقرأوا إن شئتم {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها، ويؤت من لدنه أجراً عظيما}.
[فيقول الله عـز وجل: شفعت الملائكة وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط، قد عادوا حمماً، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل. ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر، ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر، وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض؟] فقالوا: يا رسول الله ! كأنك كنت ترعى بالبادية!!
قال: [فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم، يعرفهم أهل الجنة. هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه.
ثم يقول: ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم، فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحداً من العالمين فيقول: لكم عندي أفضل من هذا، فيقولون: يا ربنا أي شيء أفضل من هذا؟ فيقول: رضاي، فلا أسخط عليكم بعده أبداً]. (رواه مسلم)