أبــ الحسن ــو
08-10-2006, 04:55 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف خلق الله وسيدهم محمد بن عبد الله و على آله و صحبه و من والاه و أتبع نهجه و هداه إلى يوم الدين ... أما بعد
أحبتي و أخوتي في الله فلا يطيب المقام معكم والكلام إلا من بعد السلام ...
فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...
فقد عزمت منذ هذا اليوم بمشيئة الرحمن نقل لكم ما تفضل به شيخنا الفاضل محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله تعالى واسكنه فسيح جنانه – من شرح كتاب التوحيد للشيخ " محمد بن عبد الوهاب "و الذي جمع في كتاب ثمين بمحتواه . و سمي هذا الكتاب بـــ " القَولُ المفِيدُ شَرحُ كِتابِ التَّوحِيدِ " ...
و لا أريد الإطالة عليكم و إليكم مادة الكتاب ..
بسم الله الرحمن الرحيم
و به نستعين و عليه نتوكل
* أما التوحيد : فهو في اللغة مصدر وحَّدَ الشيء إذا جعله واحداً .و في الشرع : إفراد الله تعالى بما يختص به من الربوبية و الألوهية و الأسماء والصفات .
* أقسامه : ينقسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام : (1)
1- توحيد الربوبية . 2- توحيد الألوهية . 3- توحيد الأسماء و الصفات .و قد اجتمعت في قوله تعالى : { رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّا} " مريم : 65 " .
* القسم الأول :توحيد الربوبية : هو إفراد الله – عز وجل – بالخلق ، و الملك ، و التدبير .
فإفراده بالخلق : أن يعتقد الإنسان أنه لا خالق إلا الله . قال تعالى : { أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ } " الأعراف : 54 " ، فهذه الجملة تفيد الحصر لتقديم الخبر ؛ إذ أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر . و قال تعالى : { هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ } " فاطر : 3 " فهذه الآية تفيد اختصاص الخلق بالله ، لأن الاستفهام فيها مشرب معنى التحدي . أما ما ورد من إثبات خالق غير الله ، كقوله تعالى : {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} " المؤمنون : 14 " ، و كقوله - صلى الله عليه وسلم – في المصورين : (( أحيوا ما خلقتم )) . (2)فهذا ليس خلقاً حقيقة و ليس إيجاداً بعد عدم ، بل هو تحويل للشيء من حال إلى حال ، و أيضاً ليس شاملاً ، بل محصوراً بما يتمكن الإنسان منه ، و محصوراً بدائرة ضيقة ، فلا ينافي قولنا : إفراد الله بالخلق .
و أما إفراد الله بالملك : فأن نعتقد أنه لا يملك الخلق إلا خالقهم ؛ كما قال تعالى : {وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} " آل عمران : 189 " . و قال تعالى : {قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ } " المؤمنون : 88 " . و أما ما ورد من إثبات الملكية لغير الله ، كقوله تعالى : {أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ} " النور : 61 " ، فهو مُلك محدود لا يشمل إلا شيئاً يسيراً من هذه المخلوقات ، فالإنسان يملك ما تحت يده ، ولا يَملك ما تحت يد غيره ، و كذا هو ملك قاصر من حيث الوصف ، فالإنسان لا يَملك ما عنده تمام المُلك ، و لهذا لا يتصرف فيه إلا على حسب ما أُذن له فيه شرعاً . فمثلاً : لو أراد أن يحرقَ ماله ، أو يعذب حيوانه ، قلنا : لا يجوز ، أما الله – سبحانه – فهو يملك ذلك كله مُلكاً عاماً شاملاً .
و أما إفراد الله بالتدبير : فهو أن يعتقد الإنسان أنه لا مُدبر إلا الله وحده ، كما قال تعالى : {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ{31} فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} " يونس : 31-32 " . و أما تدبير الإنسان ، فمحصور بما تحت يده ، و محصور بما أذن له فيه شرعاً .
و هذا القِسم من التوحيد لم يعارض فيه المشركون الذين بُعث فيهم الرسول – صلى الله عليه وسلم - ، بل كانوا مقرين به ، قال تعالى : {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} " الزخرف : 9 " . فهم يقرون بأن الله هو الذي يدبر الأمر ، و هو الذي بيده ملكوت السماوات و الأرض . و لم ينكره أحدٌ معلوم من بني آدم ، فلم يقل أحد من المَخْلُوقِين : أن للعالم خَالِقَين متساويين .(3) فلم يجحد أحد توحيد الربوبية ، لا على سبيل التعطيل و لا على سبيل التشريك ، إلا ما حصل من فرعون ، فإنه أنكره على سبيل التعطيل مكابرة ، فإنه عطل الله من ربوبيته و أنكر وجوده ، قال تعالى حكاية عنه : {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} " النازعات : 24 " ، {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي} " القصص : 38 " . و هذا مكابرة منه ، لأنه يعلم أن الرب غيره ؛ كما قال تعالى : {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً } " النمل : 14 " ، و قال تعالى حكايةً عن موسى و هو يناظره : {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} " الإسراء : 102 " ، فهو في نفسه مُقرٌّ بأن الرب هو الله – عز و جل - . و أنكر توحيد الربوبية على سبيل التشريك المجوسُ ، حيث قالوا : إن للعالم خَالِقَين هما الظلمة و النور ، و مع ذلك لم يجعلوا هذين الخَالِقَين متساويين . فهم يقولون : إن النور خير من الظلمة لأنه يخلق الخير ، والظلمة تخلق الشر ، و الذي يخلق الخير خير من الذي يخلق الشر . و أيضاً ؛ فإن الظلمة عدم لا يضيء ، و النور وجود يضيء ، فهو أكمل في ذاته . ويقولون أيضاً بفرق ثالث ، و هو : أن النور قديم على اصطلاح الفلاسفة ، و اختلفوا في الظلمة : هل هي قديمة ، أو محدثة ؟ على قولين .
* دلالة العقل على أن الخالق للعالم واحد :
قال تعالى : {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} " المؤمنون : 91 " . إذ لو أثبتنا للعالم خَالِقَين ، لكان كل خالق يريد أن ينفرد بما خلق ويستقل به كعادة الملوك ، إذ لا يرضى أن يشاركه فيه أحد . و إذا استقل به ، فإنه يريد أيضاً أمراً آخر ، و هو أن يكون السلطان له لا يشاركه فيه أحد . وحينئذ إذا أرادا السلطان ، فإما أن يعجز كل واحد منهما عن الآخر ، أو يسيطر أحدهما على الآخر ، فإن سيطر أحدهما على الآخر ثبتت الربوبية له ، و إن عجز كل منهما عن الآخر زالت الربوبية منها جميعاً ، لأن العاجز لا يصلح أن يكون رباً .
* القسم الثاني : توحيد الألوهية : و يقال له : توحيد العبادة باعتبارين ، فباعتبار إضافته إلى الله يسمى : توحيد الألوهية ، و باعتبار إضافته إلى الخَلقِ يسمى : توحيد العبادة . و هو إفراد الله – عز و جل – بالعبادة . فالمستحق للعبادة هو الله تعالى ، قال تعالى : {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ} " لقمان : 30 " .
و العبادة تطلق على شيئين :
الأول : التَعَبُّد بمعنى التذلل لله – عز و جل – بفعل أوامره و اجتناب نواهيه ، محبةً و تعظيماً .
الثاني : المُتَعَبَّد به ، فمعناها كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - : اسم جامع لكل ما يحبه الله و يرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة و الباطنة .
مثال ذلك : الصلاة ، ففعلها عبادة ، و هو التَعَبُّد . و نفس الصلاة عبادة ، و هو المُتَعَبَّد به .
فإفراد الله بهذا التوحيد : أن تكون عبداً لله وحده ، تُفْرِدُهُ بالتذلل ، محبةً و تعظيماً ، و تعبده بما شرع .قال تعالى : {لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَـهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً} " الإسراء : 22 " ، وقال تعالى : {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} " الفاتحة : 2 " ، فَوَصْفُه سبحانه بأنه رب العالمين كالتعليل لثبوت الألوهية له ، فهو الإله لأنه رب العالمين ، و قال تعالى : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} " البقرة : 21 " ، فالمنفرد بالخلق هو المستحق بالعبادة . إذ من السفه أن تجعل المخلوق الحادث الآيل للفناء إلهاً تعبده ، فهو في الحقيقة لن ينفعك لا بإيجاد و لا بإعداد و لا بإمداد فمن السَّفه أن تأتي إلى قبر إنسان صار رميماً تدعوه و تعبده ، و هو بحاجة إلى دعائك ، و أنت لست بحاجة إلى أن تدعوه ، فهو لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ، فكيف يملك لغيره ؟!
و هذا القِسم كَفَرَ به وجَحَدَه أكثر الخلق ، من أجل ذلك أرسل الله الرسل ، و أنزل عليهم الكتب ، قال الله تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} " الأنبياء : 25 " .
و مع هذا ، فأتْبَاع الرسل قلة ، قال – صلى الله عليه و سلم - : (( فرأيت النبي و معه الرهط ، و النبي و معه الرجل و الرجلان ، و النبي و ليس معه أحد )) .(4)
تنبيه : من العجب أن أكثر المصنِّفين في علم التوحيد والمتأخرين يركزون على توحيد الربوبية ، و كأنما يخاطبون أقواماً ينكرون وجود الرب – و إن كان يوجد من ينكر الرب – لكن ما أكثر المسلمين الواقعين في شرك العبادة !!
و لهذا ينبغي أن يركز على هذا النوع من التوحيد حتى نُخْرِج إليه هؤلاء المسلمين الذين يقولون بأنهم مسلمون ، و هم مشركون ، و لا يعلمون .
الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف خلق الله وسيدهم محمد بن عبد الله و على آله و صحبه و من والاه و أتبع نهجه و هداه إلى يوم الدين ... أما بعد
أحبتي و أخوتي في الله فلا يطيب المقام معكم والكلام إلا من بعد السلام ...
فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...
فقد عزمت منذ هذا اليوم بمشيئة الرحمن نقل لكم ما تفضل به شيخنا الفاضل محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله تعالى واسكنه فسيح جنانه – من شرح كتاب التوحيد للشيخ " محمد بن عبد الوهاب "و الذي جمع في كتاب ثمين بمحتواه . و سمي هذا الكتاب بـــ " القَولُ المفِيدُ شَرحُ كِتابِ التَّوحِيدِ " ...
و لا أريد الإطالة عليكم و إليكم مادة الكتاب ..
بسم الله الرحمن الرحيم
و به نستعين و عليه نتوكل
* أما التوحيد : فهو في اللغة مصدر وحَّدَ الشيء إذا جعله واحداً .و في الشرع : إفراد الله تعالى بما يختص به من الربوبية و الألوهية و الأسماء والصفات .
* أقسامه : ينقسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام : (1)
1- توحيد الربوبية . 2- توحيد الألوهية . 3- توحيد الأسماء و الصفات .و قد اجتمعت في قوله تعالى : { رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّا} " مريم : 65 " .
* القسم الأول :توحيد الربوبية : هو إفراد الله – عز وجل – بالخلق ، و الملك ، و التدبير .
فإفراده بالخلق : أن يعتقد الإنسان أنه لا خالق إلا الله . قال تعالى : { أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ } " الأعراف : 54 " ، فهذه الجملة تفيد الحصر لتقديم الخبر ؛ إذ أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر . و قال تعالى : { هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ } " فاطر : 3 " فهذه الآية تفيد اختصاص الخلق بالله ، لأن الاستفهام فيها مشرب معنى التحدي . أما ما ورد من إثبات خالق غير الله ، كقوله تعالى : {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} " المؤمنون : 14 " ، و كقوله - صلى الله عليه وسلم – في المصورين : (( أحيوا ما خلقتم )) . (2)فهذا ليس خلقاً حقيقة و ليس إيجاداً بعد عدم ، بل هو تحويل للشيء من حال إلى حال ، و أيضاً ليس شاملاً ، بل محصوراً بما يتمكن الإنسان منه ، و محصوراً بدائرة ضيقة ، فلا ينافي قولنا : إفراد الله بالخلق .
و أما إفراد الله بالملك : فأن نعتقد أنه لا يملك الخلق إلا خالقهم ؛ كما قال تعالى : {وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} " آل عمران : 189 " . و قال تعالى : {قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ } " المؤمنون : 88 " . و أما ما ورد من إثبات الملكية لغير الله ، كقوله تعالى : {أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ} " النور : 61 " ، فهو مُلك محدود لا يشمل إلا شيئاً يسيراً من هذه المخلوقات ، فالإنسان يملك ما تحت يده ، ولا يَملك ما تحت يد غيره ، و كذا هو ملك قاصر من حيث الوصف ، فالإنسان لا يَملك ما عنده تمام المُلك ، و لهذا لا يتصرف فيه إلا على حسب ما أُذن له فيه شرعاً . فمثلاً : لو أراد أن يحرقَ ماله ، أو يعذب حيوانه ، قلنا : لا يجوز ، أما الله – سبحانه – فهو يملك ذلك كله مُلكاً عاماً شاملاً .
و أما إفراد الله بالتدبير : فهو أن يعتقد الإنسان أنه لا مُدبر إلا الله وحده ، كما قال تعالى : {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ{31} فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} " يونس : 31-32 " . و أما تدبير الإنسان ، فمحصور بما تحت يده ، و محصور بما أذن له فيه شرعاً .
و هذا القِسم من التوحيد لم يعارض فيه المشركون الذين بُعث فيهم الرسول – صلى الله عليه وسلم - ، بل كانوا مقرين به ، قال تعالى : {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} " الزخرف : 9 " . فهم يقرون بأن الله هو الذي يدبر الأمر ، و هو الذي بيده ملكوت السماوات و الأرض . و لم ينكره أحدٌ معلوم من بني آدم ، فلم يقل أحد من المَخْلُوقِين : أن للعالم خَالِقَين متساويين .(3) فلم يجحد أحد توحيد الربوبية ، لا على سبيل التعطيل و لا على سبيل التشريك ، إلا ما حصل من فرعون ، فإنه أنكره على سبيل التعطيل مكابرة ، فإنه عطل الله من ربوبيته و أنكر وجوده ، قال تعالى حكاية عنه : {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} " النازعات : 24 " ، {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي} " القصص : 38 " . و هذا مكابرة منه ، لأنه يعلم أن الرب غيره ؛ كما قال تعالى : {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً } " النمل : 14 " ، و قال تعالى حكايةً عن موسى و هو يناظره : {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} " الإسراء : 102 " ، فهو في نفسه مُقرٌّ بأن الرب هو الله – عز و جل - . و أنكر توحيد الربوبية على سبيل التشريك المجوسُ ، حيث قالوا : إن للعالم خَالِقَين هما الظلمة و النور ، و مع ذلك لم يجعلوا هذين الخَالِقَين متساويين . فهم يقولون : إن النور خير من الظلمة لأنه يخلق الخير ، والظلمة تخلق الشر ، و الذي يخلق الخير خير من الذي يخلق الشر . و أيضاً ؛ فإن الظلمة عدم لا يضيء ، و النور وجود يضيء ، فهو أكمل في ذاته . ويقولون أيضاً بفرق ثالث ، و هو : أن النور قديم على اصطلاح الفلاسفة ، و اختلفوا في الظلمة : هل هي قديمة ، أو محدثة ؟ على قولين .
* دلالة العقل على أن الخالق للعالم واحد :
قال تعالى : {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} " المؤمنون : 91 " . إذ لو أثبتنا للعالم خَالِقَين ، لكان كل خالق يريد أن ينفرد بما خلق ويستقل به كعادة الملوك ، إذ لا يرضى أن يشاركه فيه أحد . و إذا استقل به ، فإنه يريد أيضاً أمراً آخر ، و هو أن يكون السلطان له لا يشاركه فيه أحد . وحينئذ إذا أرادا السلطان ، فإما أن يعجز كل واحد منهما عن الآخر ، أو يسيطر أحدهما على الآخر ، فإن سيطر أحدهما على الآخر ثبتت الربوبية له ، و إن عجز كل منهما عن الآخر زالت الربوبية منها جميعاً ، لأن العاجز لا يصلح أن يكون رباً .
* القسم الثاني : توحيد الألوهية : و يقال له : توحيد العبادة باعتبارين ، فباعتبار إضافته إلى الله يسمى : توحيد الألوهية ، و باعتبار إضافته إلى الخَلقِ يسمى : توحيد العبادة . و هو إفراد الله – عز و جل – بالعبادة . فالمستحق للعبادة هو الله تعالى ، قال تعالى : {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ} " لقمان : 30 " .
و العبادة تطلق على شيئين :
الأول : التَعَبُّد بمعنى التذلل لله – عز و جل – بفعل أوامره و اجتناب نواهيه ، محبةً و تعظيماً .
الثاني : المُتَعَبَّد به ، فمعناها كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - : اسم جامع لكل ما يحبه الله و يرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة و الباطنة .
مثال ذلك : الصلاة ، ففعلها عبادة ، و هو التَعَبُّد . و نفس الصلاة عبادة ، و هو المُتَعَبَّد به .
فإفراد الله بهذا التوحيد : أن تكون عبداً لله وحده ، تُفْرِدُهُ بالتذلل ، محبةً و تعظيماً ، و تعبده بما شرع .قال تعالى : {لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَـهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً} " الإسراء : 22 " ، وقال تعالى : {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} " الفاتحة : 2 " ، فَوَصْفُه سبحانه بأنه رب العالمين كالتعليل لثبوت الألوهية له ، فهو الإله لأنه رب العالمين ، و قال تعالى : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} " البقرة : 21 " ، فالمنفرد بالخلق هو المستحق بالعبادة . إذ من السفه أن تجعل المخلوق الحادث الآيل للفناء إلهاً تعبده ، فهو في الحقيقة لن ينفعك لا بإيجاد و لا بإعداد و لا بإمداد فمن السَّفه أن تأتي إلى قبر إنسان صار رميماً تدعوه و تعبده ، و هو بحاجة إلى دعائك ، و أنت لست بحاجة إلى أن تدعوه ، فهو لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ، فكيف يملك لغيره ؟!
و هذا القِسم كَفَرَ به وجَحَدَه أكثر الخلق ، من أجل ذلك أرسل الله الرسل ، و أنزل عليهم الكتب ، قال الله تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} " الأنبياء : 25 " .
و مع هذا ، فأتْبَاع الرسل قلة ، قال – صلى الله عليه و سلم - : (( فرأيت النبي و معه الرهط ، و النبي و معه الرجل و الرجلان ، و النبي و ليس معه أحد )) .(4)
تنبيه : من العجب أن أكثر المصنِّفين في علم التوحيد والمتأخرين يركزون على توحيد الربوبية ، و كأنما يخاطبون أقواماً ينكرون وجود الرب – و إن كان يوجد من ينكر الرب – لكن ما أكثر المسلمين الواقعين في شرك العبادة !!
و لهذا ينبغي أن يركز على هذا النوع من التوحيد حتى نُخْرِج إليه هؤلاء المسلمين الذين يقولون بأنهم مسلمون ، و هم مشركون ، و لا يعلمون .